الجمعة، 18 أكتوبر 2013

نقد كتاب (استرداد عمر من السيرة إلى المسيرة) للعمري



قراءة في آلية الاستدلال بالرواية
لدى الباحثين المعاصرين




كتاب
 (استرداد عمر من السيرة إلى المسيرة)
للدكتور أحمد خيري العمري.. نموذجاً






د. ياسر غريب






الرياض
1434هـــ /2013م
***

***

بسم الله الرحمن الرحيم

أما قبل..

دعونا لا نفرّطُ في عمر..
ودعونا – أيضاً - لا نسرف فيه!
وقد قال ابن خلدون: "فلا تثقنّ بما يُلْقَى إليك... وتأمّل الأخبار واعرضها على القوانين الصحيحة يقع لك تمحيصُها بأحسنِ وجه".
ابن خلدون (مقدمة التاريخ 1/13)
ويروى عن عبد الله بن المبارك قوله: "الإسناد عندي من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء".
صحيح مسلم (المقدمة 1/11)



مقدمة

يمكن وصف كتابات الدكتور أحمد خيري العمري بأنها تسير خارج السياق التقليدي للفكر الديني السائد في الأوساط العلمية والشعبية؛ بل إنها تسير في طريق البحث الدءوب عن إعادة قراءة تراثنا القديم؛ قراءة جديدة عاقلة متعمقة، تتجاوز تقاليد التفكير المترسخة في أعماق أمة تخلفت عن قطار النهضة، الذي تركها وأبناءها في ظلمات يعمهون!
ومن ثم فهي – أي مؤلفات الدكتور العمري - تمثل محاولة مشكورة لدعم فِكر النهضة بصفة عامة؛ لذلك فهي تستحق الوقوف أمامها باحترام، والعناية بها؛ قراءة وتحليلاً ونقداً؛ دعماً لها، وتقويماً لمسيرتها ذات الأهداف النبيلة.
والدكتور العمري هو صاحب مشروع أطلق عليه (القرآن من أجل أمة قائمة)، وله العديد من المؤلفات المطبوعة: البوصلة القرآنية، كيمياء الصلاة (خمسة أجزاء)، ألواح ودسر (رواية)، أبي إسمه إبراهيم (رواية)، الفردوس المستعار والفردوس المستعاد، وسلسلة ضوء في المجرة، إضافة إلى عشرات المقالات والقصص.
وقد غلب على ظني أن المؤلف يسعى إلى أن تكون مؤلفاته من تلك النوعية التي تُقرأ لتُعَاش، تُقرأ لتحيا في نفوس قرائها، ثم تبقى في سلوكهم، وهي الحال التي ينبغي أن تكون في جميع مؤلفات من يسعى لعمارة هذه الأرض كما أراد الله! لذلك فقد بذَل فيها جهداً، ندعو الله أن يكون في ميزان حسناته.
ويعد كتاب (استرداد عمر من السيرة إلى المسيرة) – وهو آخر إصداراته حتى الآن- منطلقاً مناسباً، لقراءة عالية الصوت، ومناقشة رياضية لبعض إستراتيجيات الكتابة عند الدكتور العمري؛ وهذا لعدة أسباب:
الأول: أن الدكتور العمري دعا غير مرة لإعادة قراءة التراث، قراءة جديدة غير تقليدية، تعيد للعقل دوره الذي فقده عبر عصور التقليد الأعمى، وقد وقفتُ على ذلك في مناسبتين – وفقاً للذاكرة-: مرة في التفسير حين قارن بين تفسيرات الموقف الإبراهيمي المتعارضة، ومرة في الأصول والفقه حين تكلم عن الحس المقاصدي! (وكلاهما في كتابه: البوصلة القرآنية).
وهذه الورقة تفتح باباً جديداً من أبواب قراءة التراث لم يفتحه المؤلف- على ما أظن، وفقاً لما قرأته حتى الآن من إنتاجه-، وهو باب (الرواية) سواء النبوية أو التاريخية، فلعله يتخذ منها موقفاً مماثلاً لموقفه من الأصول والفقه والتفسير.
الثاني: أن الكتاب يعالج رمزاً مشرقاً من رموز هذه الأمة، ومن ثم يتطلب هذا الأمر معالجة متألقة أيضاً، تناسب قدر عمر ودوره في إحداث النهضة والتأسيس لها. وهذه المعالجة لن تتأتى عن طريق تأجيج عواطفنا تجاه عمر؛ قبل أن تتفتح عقولنا وعيونُنا على أخباره الصحيحة أولاً.
 فهذه الورقة تشير – في حدود موجزة ووفق أمثلة محدودة – إلى قضية انحراف الحركة العلمية المرتبطة بفن (الرواية) عن مسارها الموضوعي الذي بَدَأتْهُ، حتى تشكلت في عصور متأخرة (علوم الرواية والمصطلح) بصورتها التقليدية التي انسلخت تدريجياً عن علم الأوائل في هذا الفنّ، وجهودهم العظيمة وبحوثهم الفريدة (غير المرتبة وغير المنتظمة إطار مؤسسي).
الثالث: - وهو الجانب (التطبيقي) لنظرية (مؤسسة علوم الرواية التقليدية) في هذه الورقة - أن كتاب (استرداد عمر من السيرة إلى المسيرة) يستند إلى (الأخبار) باعتبارها وثائق تاريخية، منها ينطلق الكاتب – رفضاً وقبولاً –، ثم شرحاً وتحليلاً؛ ليصل إلى فكرته، وقد وضع لذلك إستراتيجية خاصة في التعامل مع الأخبار في هذا الكتاب، وإن كانت تنسحب إلى مؤلفاته الأخرى. هذه الإستراتيجية التي وضعها المؤلف بنفسه لنفسه تحتاج إلى إعادة نظر، وفتح باب المناقشة لتأكيدها إن كانت صائبة، أو تقويمها والالتفات عنها إلى غيرها إن كانت غير صائبة.
الرابع: هذه الورقة بمثابة دعوة للمشاركة في دعم مشروع (القرآن من أجل أمة قائمة)، بل أي مشروع يهدف إلى نهضة الأمة وإحياء دورها، عن طريق وضع معايير واضحة لقبول الأخبار، واتخاذ موقف عقلي واضح ومبرر من المناهج التقليدية في الحكم على الأخبار. وهو الموقف الذي سيلزم عنه اعتماد الروايات التي ستكون مساندة للقراءة القرآنية التي ندعو أن تكون منطلقاً إلى إعادة قراءة التراث القديم (تفسير، فقه، أصول، عقائد)، ثم إعادة كتابته في ظل هذه القراءة.
***
آلة الزمن.. هلمّوا إلى الوراء!!

ماذا لو استطعنا أن نركب (آلة الزمن)، ونحن متشوقون إلى مشاهدة (حدثٍ تاريخيّ) تعودنا أن نتغنى به منذ قرون؟!
ماذا لو عدنا للخلف، ووقفنا في مكان الحدث التاريخي الذي قرأناه كثيراً، وسمعناه طويلاً؟! وبلغنا لحظته الزمنية؟! ووقفنا بين أبطاله وشخوصه؟!
 ثم..
ثم لم نجد شيئاً؟!
هل سيكون الحدث التاريخي الذي كنا نتغنى به (بعدئذٍ) أكثر من..
كَـ.. )سَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا(.
***
 إن الاعتماد على (الخبر) غير الموثق، ما هو إلا اعتماد على الوهم!!
ترى..
ما فائدة التحليل العقلي المبهر؟!
والإبداع الخلاق في التفسير؟!
واستنطاق ما ورائيات الحدث (المزيف)؟!
ترى.. ماذا سنجني من استنطاق (الوهم)؟!
غَير الوهم؟!
***

(الخبر).. وثيقة أم حدوتة؟!

تتكون الشرائع من (أخبار)، والقرآن هو (خبر) السماء، ويغرق المفسرون في بحار (الأخبار) ويستند الفقهاء إلى (الأخبار)، وتخرج الأصول من (أخبار)، والتاريخ نفسه لا يزيد عن مجموعة من (الأخبار)!
والخلاف بين أهل الإسلام وأهل الجاهلية - مشركين وأهل كتاب - كان حول (الأخبار)؛ قبولها، رفضها، تحريفها، وهل هي أخبار من السماء أم أنها أساطير الأولين؟! والأدلة القرآنية على ذلك كثيرة.
بل إن نصف كلام الناس – وفقاً لأهل اللغة-: خبري. والخبري لديهم هو ما يحتمل الصدق والكذب!
ومنذ اليوم الأول للرسالة، بدا أن لـ (الأخبار) القادمة من مكة قيمة خاصة، يتداولها الناس في أم القرى وما حولها، فالإسلام يكتسب منتسبين جدداً داخل مكة وخارجها بفضل (الأخبار)، والإسلام يكتسب أرضاً جديدة خارج البلد الأمين حتى قبل أن يهاجر النبي )ص) إليها عن طريق (الأخبار). وبـ (الخبر) وحده جاءت الآلاف من المؤمنين إلى العقبة، منهم من جاء لأول مرة ليلتقي بنبيه الذي آمن به – عن طريق الخبر- ليبايعه تحت الشجرة! فلم يكن في الكون أعظم منه خبراً يلتفت إليه الناس، ويتسابقون في السؤال عنه، ويختصمون حوله قبولاً ورفضاً: )عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ. عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ. الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (([1]).
ومع نزول الوحي، كان تبليغ (الخبر) هو الشغل الشاغل للمجتمع العربي، فالصراع حول (الخبر) كان على أشدّه، فعلى المؤمنين أن يبلغوا به من وراءهم، وعلى الشاهد أن يبلغ الغائب. وكان الكافرين يبذلون جهدهم في أن يكذبوا ويتهموا!!
 وبعد رحيل النبيّ (ص)؛ تحكي روايات أنه كان على (عمر) أن يتأكد من خبر نقله له أبو موسى الأشعري!([2]) وعلى (عائشة) أن تصحح خبراً أخطأ فيه ابن عمر! ([3]) وعلى (ابن عمر) أن يتراجع عن كراء الأرض بعد خبر ينقله له رافع بن خديج! ([4])
بينما كان كثير من الصحابة – إن لم يكن معظمهم - يتحرجون من الرواية خشية الوقوع في مغبة الخطأ فيقعون تحت طائلة الكذب على النبي (ص) وهم لا يشعرون!!
فهذا هو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ يقول: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ مَا لِىَ لاَ أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص) كَمَا أَسْمَعُ وَفُلاَناً وَفَلاَناً. قَالَ أَمَا إِنِّى لَمْ أُفَارِقْهُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلَكِنِّى سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً يَقُولُ: مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ([5]).
وهذا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يقول: "إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِى أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ: مَنْ تَعَمَّدَ عَلَىَّ كَذِباً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"([6]).
إنها مجرد نماذج تمثل قيمة (الخبر) في عصر النبوة وفي أوساط الصحابة باعتباره الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الحق.
ولكن عندما أصبح (الخبر) وسيلة لأشياء أخرى غير الحق.. صارت الكارثة!!
وحين تساهل الرواة - أو تآمروا - لمآرب أخرى غير الحق؛ وقعت الواقعة!!
صار (الخبر) وسيلة للانتصار المذهبي والسياسي؛ واتسعت الفجوة بين المذاهب، فتضخم الفقه وتشعبت الفرق، وتعقدت الأصول، واتسعت التفاسير، وتناقضت المفاهيم، وتشتت الأدمغة، وبعدت الشقة بين أبناء الأمة. حتى احتدمت المعارك؛ حيث كان (الخبر) سلاحاً فتاكاً في تلك الوقائع!
وعندما صار (الخبر) أداة للتسلية والمتعة وخدمة السلاطين ومذاهبهم الفقهية والعقدية وتوجهاتهم السياسية؛ تضخمت السيرة النبوية جداً، وتضخمت روايات الحديث جداً، وتضخم التاريخ –الذي أطلقوا عليه (التاريخ الإسلامي)- للغاية.
لقد تلوث نبع (الأخبار) الذي كان مصدراً لثروة الحق، فإذا به أصبح مصدراً لثروة الباطل، فقد فاض الكذب جداً، وزاد كثيراً عن الصدق، وكان حماد بن زيد يقول: "وضعت الزنادقة على رسول الله )ص) اثني عشر ألف حديث" ([7]). وقد روي عن الأصمعي قوله: "قيل للكذاب: ما يحملك على الكذب؟ قال: لو تغرغرت به مرةً ما نسيت حلاوته"([8])!!
ولعل هذه المسألة الجوهرية هي نقطة الخلاف (المفتعلة) بين أهل الفقه وأهل الحديث، حين يريد عشاق الكذب دائماً الاستقلال عن جسد هذا الدين ومبادئه العامة، وأهمها الصدق واليقين، والاحتفاظ بتلك الثروة التراثية المتضخمة بجميع أنواع الأخبار، دون ضابط أو رابط، أو ترشيح (أي: فلترة)!
حلاوة الكذب صارت على كل لسان في الأمة، وأصبحت انعكاساً مؤلماً لتراثنا وثقافتنا، فجرى الكذب والتلفيق على ألسنة المؤرخين، والمفسرين، والفقهاء، والأصوليين، والدعاة، ولم يفتّ في عضد الكذب تلك الجهود الخجولة التي بدأها علماء عظام لذبّ الكذب عن النبي (ص) منذ القرون الأولى، حيث سرعان ما وقعت (علوم الرواية) أسيرةً لانحدار المؤسسات التعليمية التقليدية عن المسار العلمي الحضاري، حين فسدت الآليات الناضجة والإجراءات الموضوعية في خضم التعصب المذهبي والعقائدي في العصور المتأخرة!
لقد جاء الإسلام لينزع (المسلمات العاطفية) من عقولٍ أسهمت فيها عوامل الزمن والإلف والعادة والبيئة، ليضع مكانها مبادئ منهجية، ووسائل إجرائية لتبيين الحق من الباطل، ولتستبين سبيل المجرمين. ولكن مع مرور الزمن تتلاشى تلك المبادئ شيئاً فشيئاً حتى تتمكن من العقول مرة أخرى تلك العادات الجاهلية القائمة على التعاطف السلبي والتعصب الأعمى لما تركه الآباء، )أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ(([9])!!
إن استدعاء مبادئ النهضة من آيات القرآن الكريم لا بد أن يسير في سياق الكتاب المبين الذي أكد على مبادئ السير بمنتهى الوضوح والحزم:
)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ(([10]).
)وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا. لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا(([11]).
)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(([12]).
)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا(([13]).
إن الشكّ وسيلة قرآنية للوصول لليقين، فالمسلمات (العاطفية) لا وجود لها في العقل المسلم، فهو عقل رياضي بطبعه. ومن ثم فإن الشك المنهجي في النصوص الحديثية والتاريخية والأقوال المنسوبة، للوصول إلى الصدق، يمثل في حد ذاته المنطلق الطبيعي للنهضة، والخطوة الأولى التي لا بد منها. فلا نهضة بدون انسلاخ كامل من تقاليد كهنوتية ران عليها ركام الجاهلية، فاختلط فيها الصدق بالكذب، والوعي بالغيبوبة، والحابل بالنابل!
***

سؤالات حول منهجية البحث

يغلب الطابع الأدبي على كتاب "استرداد عمر من السيرة إلى المسيرة"، فالمؤلف ينطلق في طول الكتاب من (روايات) مختارة، يتوقف عندها، ويعيش في رحابها، وهو يحاول أن يستكشف من خلالها شخصية عمر بن الخطاب.
نعم.. إنها (روايات).. (أخبار)!
إذن ما الذي يميز هذا الكتاب عن غيره من الكتب التي عالجت الموضوع ذاته، وهم كثرٌ، سوى الإعجاب باختيارات المؤلف الخاصة من الأخبار التي تتحدث عن شخصيته المختارة، ثم بأسلوبه الجذّاب الذي يعتمد على استنطاق الروايات بما لم تقله صراحة؟!
ترى هل كانت الاختيارات هذه أكثر اتساقاً مع الواقع التاريخي لعمر وسيرته؟!
أم أنها كانت أكثر اتساقاً مع الواقع الدرامي الذي تخيّله مؤلف الكتاب عن عمر وشخصيته وحياته؟!
***
في الصفحات الأولى من الكتاب وتحت عنوان "بين يدي سيرة عمر"([14])؛ يحدثنا المؤلف صراحة عن قضية (المرويات)، وقد قسمها من الناحية الزمنية أربعةَ مراحل:
1-  فترة ما قبل الإسلام: وهي فترة يقل أو يندر فيها الصحيح من المرويات عن عمر.
وعنها يقول المؤلف: "ليس هناك الكثير مما ثبت عن عمر ما قبل الإسلام. لذا فلم أرَ من الضروريِّ التوقُّف عند مناطق مجهولةٍ والبناء على ما تراكم من مرويَّاتٍ لم تثبت وإن وجدت في كتب السير".
وقد قدم المؤلف مثالاً على ذلك، نفى فيه أن عمر تولى "السفارة" في قريش قبل الإسلام، في حين أكد سفارة قبيلته (عدي)!!
وهو في نفيه وتأكيده، لم يصرح بأسباب علمية؛ للنفي أو التأكيد، ولم يقدم للقارئ سوى قراءة استنتاجية خاصة به ترى أنه "لو كان الأمر كذلك لوظَّفه الرسول عليه الصلاة والسلام في أمور السفارات بين القبائل، وهو ما لم يحدث"!!
وهي طريقة في البرهنة لا تكفي لنفي حدث أو إثباته؟!
لماذا نصدق أن عدي قبل الإسلام قامت بدور السفارة فعلاً؟!
ولو صدقنا؛ لماذا ننفي أن عمر تم استثناؤه من السفارة قبل الإسلام؟!
ثم؛ هل وصلنا بأي صورة أو في أي رواية أن النبي (ص) وضع شرط (الخبرة) بالسفارة في الجاهلية لكل من قام بهذا الدور في الإسلام؟!
2-   الفترة المكية المبكرة: وهي فترة يقل أو يندر فيها الصحيح من المرويات عن عمر أيضاً وعن غيره.
 وفيها يقول المؤلف: "قلَّة المعلومات الموثَّقة المسندة عن الفترة المكيَّة المبكِّرة أو ما قبلها لا تخصُّ عمر وحده، بل إنَّ الفترة المكيَّة المبكِّرة كلَّها لم يصحَّ ويثبت عنها الكثير لأنَّ رواة الأحاديث الأساسيين (ابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة، والسيدة عائشة) كانوا إمَّا صغاراً جدَّاً في تلك المرحلة، أو لم يكونوا قد ولدوا بعد.. وعندما بدأ جمع الأحاديث كان أغلب مَن كان واعياً لتلك الفترة المبكِّرة وما قبلها من الجاهليَّة، قد توفِّي، أو استشهد".
وهذه الفكرة لا تنفي أن المؤلف استدعى بعض النصوص في تلك الفترة المبكرة، وهو يعني أنه يرى أن ما جاء به من نصوص في تلك الفترة كان من القليل الموثق المسند الصحيح الثابت! وهو ما يحتاج إلى مراجعة وتفنيد.
3-  ما بعد (الفترة المكية المبكرة وحتى وفاة الرسول): وفيها من الصحيح والضعيف ما يمكن له أن ينتمي لباب (الحديث النبوي) لوجود ذكر للرسول (ص) في ثناياه.
وهو ما جعل المؤلف يقول: " أيَّة واقعةٍ تاريخيَّةٍ وُجِد فيها عمر، وكان فيها حديثٌ للرسول عليه الصلاة والسلام، أو حضورٌ له لم آخذ فيها إلا بالأحاديث الصحيحة".
وهو ما يعني أن للمؤلف تصوراً واضحاً عن معنى الصحيح، وإجراءات هذا التصحيح، لكنه للأسف لم يخبرنا به؛ ويغلب الظن، بسبب العديد من الشواهد، أن المؤلف استكفى بأحكام بعض الباحثين المعاصرين، فوقف عند اجتهاداتهم -غالباً- باعتبارها الحق الذي لا ريب فيه! وفي ذلك خطورة كبيرة، أرى أنها أوقعته في أغلاط كثيرة، كما أنه لم يوفق في تتبعهم في بعض الأحيان لأسباب تتعلق بالوعي بمصطلحاتهم وألفاظهم.
4-  ما بعد وفاة الرسول (ص): وهي ما يقوم عليها معظم الكتاب. وهي تحتاج إلى إعادة تفكيك لبحث مدلولات العبارات التي عناها المؤلف.
يقول المؤلف: "الحوادث التاريخيَّة الأخرى، خاصَّةً مرحلة ما بعد وفاة الرسول، لم يكن من الممكن تطبيق نفس المعايير عليها.. فأسانيد الروايات التاريخيَّة مختلفةٌ، ومعايير قبولها ليست واضحةً من ناحية الصِّحَّة والضَّعف حتى الآن. وأرى شخصيا أنها يجب أن تدقق ولكن بمعايير مختلفة عن سند الحديث النبوي.
لكنِّي لم آخذ بروايةٍ دون وجود سندٍ تاريخيٍّ يمكن مراجعته. وتعمدت مراجعة كل سند لرواية "فيها إشكالية ما "- أي بتعارضها مع سواها - واستبعدت تماما ما ضعف حتى لو كان مشتهرا على الألسنة. ويدخل في ذلك الكثير من المقولات المنسوبة لعمر التي وجدتها بلا سند.
الخُطَب والقليل جدَّاً من المقولات، تمَّ أخذها دون سندٍ، لورودها في المصادر دون سندٍ".
وهذه الفقرات الثلاث تحتاج إلى إعادة تفكيك من خلال طرح أسئلة مهمة...
الأول: ما المدلول المنضبط لمصطلح (الأحاديث الصحيحة) التي اعتمد عليها المؤلف؟!
والثاني: ما (المعايير الواضحة للصحة والضعف)؟
والثالث: هل كل أسانيد الروايات التاريخية – التي اعتمد عليها المؤلف - مختلفة ومعاييرها ليست واضحة من ناحية الصحة والضعف؟!
ما قيمة ذِكر السند التاريخي؟! وما فائدة مراجعته إذا كانت المعايير ليست واضحة من ناحية الصحة والضعف؟!
وإذا كانت الروايات التاريخية ليست لها معايير واضحة من حيث الصحة والضعف كيف نعتمد عليها في تأريخنا لـ (عمر) أو لغيره؟!
ثم.. هل يمكن أن نثق في الخُطب والأخبار (القليلة) التي وردت في المصادر دون أسانيد؛ ثم نبني عليها بعض تصوراتنا (القليلة) وأحكامنا (القليلة) حول النهضة؟!
وهل مصطلح (الأحاديث الصحيحة) و(المعايير الواضحة) ينتميان بالفعل للمنهج العلمي الموضوعي كما توحي العبارة؟! أم أنهما يسيران في ركب (المؤسسة الدينية التقليدية)، ويمثلان إحدى منتجاتها؟!
وهل فعلاً قام المؤلف بنفسه بمراجعة كل (سند) لرواية " فيها إشكالية ما"؟! ثم استبعد تماماً ما ضعف منها حتى لو كان مشتهراً على الألسنة؟!
وهل الرواية التي "فيها إشكالية ما" هي الرواية تتعارض مع سواها فقط؟! أم أن الإشكالات تتنوع وتختلف أشكالها؟! ولا تقتصر فحسب على التعارض؟!
بالتأكيد سيكون المؤلف هو الأقدر على الإجابة عن تلك التساؤلات، لكننا سنحاول أن نتعاون معه – في عصف ذهني - للبحث عن أجوبة من خلال ما قرأناه في كتابه عن عمر، مع قليل من التعريج لبعض كتاباته الأخرى.
وعلى الرغم من ذلك؛ ستظل أجوبتنا أجوبةً قريبة مساندة، في انتظار تقويمها؛ طلباً للحق، واستسلاماً له.
***

نتائج وتوصيات: (نتائج تسبق المقدمات)

ونظراً لدقة السؤالات المطروحة، وما يستتبعها من دقة الإجابات؛ بصورة أخشى أن يمل منها القارئ، إذا هو انتظر أن توصله المقدمات إلى النتائج؛ فإنني سأخالف المنطق – أسلوبياً - إذ سوف أبدأ سريعاً بنتائج هذه الورقة، مجيباً عن تلك التساؤلات بعبارات قصيرة مباشرة.
نعم.. قد يكون الأمر غير منطقي، وفقاً لأساليب البحوث الدارجة، لكن (الصدمة) في حد ذاتها هدف موضوعي. حتى يستطيع القارئ غير المعنيّ كثيراً بـقضية (الرواية التاريخية ومدى صحتها) تعقب البراهين الدالة على هذه النتائج بشيء من العناية واليقظة.
 ويمكن لقارئ هذه (الورقة) أن يعيد الأمور إلى نصابها (الإجرائي) بعد الفراغ منها، ويقوم بعملية (Cut) من هذا المكان، ثم (Past) في آخرها!
إن أجوبتنا أو نتائج هذا البحث تتلخص فيما يأتي:
-         أن مصطلح (الحديث الصحيح) في كتابات الدكتور العمري يسير ضمن النسق التقليدي للمؤسسة الدينية التقليدية التي يدعو للخروج على حكمها والثورة عليها!
-         أن التزام المؤلف بالأحاديث الصحيحة فيما خص الأخبار التي ذكر فيها النبي (ص) لم يكن التزاماً بمعايير محددة، أو بعد مراجعة أسانيدها، وإنما التزاماً بأحكام بعض المجتهدين الذين تندرج أحكامهم ضمن نسق المؤسسة الدينية التقليدية!
-         أن التزام المؤلف بأحكام بعض المجتهدين ذوي النزعة التقليدية لم يكن تاماً، فقد صرح بأحكامهم وصدع بتصحيحهم لبعض النصوص، وتجاهل تضعيفاتهم لنصوص أخرى في الكتاب ذاته مرات عديدة.
-         أن مصادر المؤلف تحتاج لإعادة نظر؛ فمنها مصادر لا تصلح البتة أن يعتمد عليها باعتبارها مصادر موثقة عموماً، وفي شأن أخبار عمر خصوصاً.
-         أن عبارة "أسانيد الروايات التاريخية مختلفة ومعاييرها ليست واضحة من ناحية الصحة والضعف"، ليست منضبطة؛ لأن هناك روايات تاريخية حملت بنفس الأسانيد الحديثية، وحكم عليها المجتهدون التقليديون بالضعف أو بالقوة.
-         أن مصطلح (المعايير) لا بد أن يكون منضبطاً وواضحاً، وهو ما لم يفعله المؤلف، ولم يحلنا إلى من لديه تلك المعايير التي يراها واضحة ومنضبطة. طالما أن الموضوع يتعلق (بالمعايير) لا بـ (أصحاب المعايير).
-         أن قاعدة اعتبار الرواية لمجرد ورودها في كتب التراث بسند، على الرغم من الإيمان بعدم وجود معيار للصحة والضعف، لا يقضي بصحتها الموضوعية من الناحية التاريخية، وإنما يفتح الباب للمزاج العقلي والعاطفة المتحيزة أن تكون حكماً على صحة الوقائع التاريخية أو ضعفها.
-         الاستسلام لبعض الأخبار مجهولة المصدر التي (تم أخذها دون سند، لورودها في المصادر دون سند) لا يخدم الحقيقة التاريخية بقدر ما يخدم المزاج العاطفي، وهو أمر يجد مسوغاً للمتحاملين على عمر وغيره من الصحابة، وربما على النبي (ص) نفسه؛ أن يأخذوا هم أيضاً أخباراً مسيئة ويروجونها، طالماً أن المعيار العاطفي هو المقياس.
كما أود التنبيه على أنه لا يعني نقدنا لرواية – مثلاً- في مستدرك الحاكم أو مصنف عبد الرزاق أنه حكم نهائي بضعف الرواية، فلربما وجدت تلك الرواية من طريق أخرى أكثر صحة، وهو ما يستدعي وضع آلية منهجية في (توثيق الأخبار).
***
أما أهم التوصيات، فهي:
أولاً: (بالنسبة للمشروع الفكري): أن المشروع الفكري للدكتور أحمد خيري العمري، وآليات النهضة عبر القرآن، يقوم على إعادة قراءة التراث الإسلامي، وإعادة كتابته عبر قيم علمية وعقلية رشيدة، وهذا التراث هو بناء ضخم أساسه الأخبار، ومن ثم ينبغي أن يحظى بعناية خاصة، وجهود كبيرة تضمن إعادة قراءة نقدية وواعية لمصادر السنة والتاريخ، وتحديد موقع الجهود المتعاقبة على حركة الرواية من النهضة، وما يمكن أن نستفيده من تلك الجهود، وما يمكن أن نطرحه أرضاً حتى يخلو لنا وجه الحق.
ثانياً: (بالنسبة لكتاب: استرداد عمر): وهي توصية سريعة، تسهم في تحسين ما أنجز من الكتاب الذي بذل فيه مؤلفه جهداً تجميعياً ضخماً،– في طبعات لاحقة-، وهو ضرورة إعادة توثيق الأخبار بصورة منهجية، تعتمد في التخريج الواحد من الكتب الأقدم زمناً ثم الأحدث، وحصر جميع التخريجات للنص الواحد، حتى يسهل للباحث مراجعتها. وهي خطوة منهجية مهمة بغض النظر عن النتائج التي ستجلبها هذه الخطوة. ثم ذكر جميع الفوائد الممكنة حول النص في الحاشية. خاصة أن التوثيق وطريقة ذكر المصادر والمراجع لا يعد توثيقاً منهجياً، ويغلب عليه الارتجال والتسرع وعدم الالتزام بنسق يتضح منه أهمية المصادر والمراجع وترتيبها.
***

معايير النهضة.. أم معايير المؤسسة التقليدية؟!
(متفق على: صحته أم على ضعفه؟!)

وقع في خاطري – وقد أكون مخطئاً - أن الدكتور العمري لم يعتمد بنفسه على معايير واضحة للحكم على الأخبار بشكل مباشر، فكأنه لم يمارس التعامل النقدي المباشر للنص النبوي والتاريخي، وإنما اكتفى - ثقة منه - بأحكام باحثين مجتهدين، أو علماء مُحْدَثِين [أمثال الشيخين الجليلين الألباني، وشعيب الأرناؤوط] أو علماء سابقين زمناً – ولا أقول قدماء - [أمثال الحاكم والذهبي وابن تيمية].
لقد اكتفى المؤلف بأحكامهم، وذلك ظناً منه أن لديهم معايير واضحة، فهو لم يقدم أي نبذة عن تلك المعايير، التي تكون مرة واضحة (في حالة الرواية الحديثية) وغير واضحة (في حالة الرواية التاريخية)!
وأخشى كذلك من أنه استجاب في لحظة ما – وهو ما قد يحدث لنا جميعاً - لما يستنكره هو نفسه من التقليد القائم الذي يستند إلى الشهرة وذيوع الصيت، لا على البحث القائم على إعادة النظر، كما تعودنا منه؛ [مثل: عبارة متفق عليه، أو صحيح على شرط الشيخين]!
مما يدفعنا للإحالة السريعة إلى هؤلاء المجتهدين الرموز، وبعض معاييرهم في الأحكام، إضافة إلى نبذة عن بعض تلك المسلمات الشهيرة التي ترتبط بالصحة والضعف.
***
من تلك الأحكام على سبيل المثال عبارة: متفق عليه.
هذه العبارة في معناها الطبيعي لا تعني أكثر من أن البخاري ومسلم قد اتفقا على روايته.. هذا هو الدارج، وإن كان بعض المصنفين يضيف إليهما مسند أحمد، مثلما فعل الشوكاني فأوضح وهو يتحدث عن مفاتيح رموزه بمقدمة كتابه (نيل الأوطار) قائلاً: "والعلامة لما رواه البخاري ومسلم أخرجاه. ولبقيتهم رواه الخمسة. ولهم سبعتهم رواه الجماعة. ولأحمد مع البخاري ومسلم متفق عليه. وفيما سوى ذلك أسمي من رواه منهم"([15]).
إذن فالمعنى (اصطلاحي)..
وطالما كان اصطلاحياً فإننا سنعود للاصطلاحيين ليذكروا لنا معاييرهم في تعريف (الحديث الصحيح)، وتعريف (المتفق عليه)! وسوف نسلم جدلاً بتعريفهما؛ حتى نصطدم بالتناقض! حينئذ ينبغي أن تكون لنا معاييرنا الخاصة!
يعرف ابن الصلاح الحديث الصحيح بأنه: "هو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذا ولا معللا"([16]).
ويتحدث ابن الصلاح عن اتفاق البخاري ومسلم على حديثٍ واحد، فيقول: "وهو الذي يقول فيه أهل الحديث كثيرا: صحيح متفق عليه. يطلقون ذلك ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم لا اتفاق الأمة عليه. لكن اتفاق الأئمة عليه لازم من ذلك، وحاصل معه؛ لاتفاق الأمة على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول"([17]).
نحن هنا: أمام تعريفين في صفحتين متتابعتين ذكرهما (الشيخ الإمام الحافظ مفتي الشام تقي الدين أبو عمر عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى بن أبي نصر النصري الشهرزوري الشافعي المعروف بابن الصلاح المتوفى سنة 643هـ)!! هذان التعريفان يحددان صحة النصوص من جهتين: جهة اتصال السند، وجهة اتفاق البخاري ومسلم على تخريجهما!
ونحن هنا: أمام نص (اختباري لذلك المعيار ذي الجناحين)، اعتمده الدكتور العمري يتمثل في قول أبي جهل وهو يحتضر: "فلو غير أكارٍ قتلني!"([18]).
هذه العبارة بالفعل اتفق البخاري ومسلم على تخريجها، ولكني لا أظن أنهما قصدا صحتها! وإنما اضطرا إليها اضطراراً؛ لأنها (ملحقة) بنص صحيحٍ ذي جناحين؛
-    الأول: جناح متصل السند: يرويه إسماعيل بن عليه عن سليمان التيمي عن أنس.. (وهو الصحيح) ونصه –: قَالَ – أي أنس- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r يَوْمَ بَدْرٍ مَنْ يَنْظُرُ مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَدَ فَقَالَ آنْتَ أَبَا جَهْلٍ قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ سُلَيْمَانُ هَكَذَا قَالَهَا أَنَسٌ قَالَ أَنْتَ أَبَا جَهْلٍ قَالَ وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ".
-    وجناح منقطع السند: (وهو غير صحيح وفقاً لتعريف ابن الصلاح الأول) وهو ما نقله إسماعيل بن عليه ونصه: وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ قَالَ أَبُو جَهْلٍ: فَلَوْ غَيْرُ أَكَّارٍ قَتَلَنِي.
ذلك أن أبا مجلز (واسمه: لاحق بن حميد بن سعيد)، من التابعين توفي سنة 104 هـ، وهذا النص مرسل؛ أي به انقطاع لعدم وجود صحابي في هذه الرواية، فالتابعي هنا يرويه عن أبي جهل مباشرة!
رواية أبي مجلز هذه تجعلنا بين نارين (وفقا للمعيارين اللذين ذكرهما ابن الصلاح):
1- إما القبول بها لأن البخاري ومسلم اتفقا على روايتها، وفقاً لمعيار (متفق عليه)!
2- أو رفضها لأن البخاري ومسلم اتفقا على إخراجها بهذا الانقطاع الفاحش!! وفقاً لمعيار (اتصال السند)!
لقد تجاهل الشيخ الألباني الإشارة إلى هذا الانقطاع، واكتفى بعبارة (متفق عليه) في متن الكتاب ([19])، متجاهلاً هذا الانقطاع الواضح، دون تعليق كما يفعل أحياناً في الحاشية!! على الرغم من أن هذا الانقطاع ذكره ابن حجر في شرحه للحديث معلقاً على عبارة أبي مجلز قائلاً: "هذا مرسل"([20]).
***
وأخشى أن عبارة (متفق عليه) التي توحي بأعلى درجات الصحة قد تسربت للدكتور العمري؛ فآنس منها ثقة كبيرة، غير مرة في كتابه استرداد عمر، باعتبارها معياراً واضحاً للصحة، وقبل ذلك حين تحدث عن هواة التشكيك في (البوصلة القرآنية) الذين سيبحثون عن صحة حديث الشك الإبراهيمي وأحقيتنا به!!
حين قال: "والحديث، لهواة التشكيك، صحيح، بل متفق عليه".
وهي عبارة توحي بإيمان المؤلف بأن اتفاق البخاري ومسلم هو أعلى من مجرد الوصف بالصحيح! كما تزعم موروثات المؤسسة التقليدية في دراسة الحديث ورواياته!
ونحن إذ نتفق مع الدكتور العمري في المعنى العام والفكرة التي طرحها حول الشك الإبراهيمي.
 لكننا للأسف؛ قد نكون من هواة التشكيك !!
نعم.. الحديث متفق عليه، بل أخرجه كثيرون غير البخاري ومسلم، لكن جميع رواياته المنضبطة نسبياً تصب في مسار واحد، وطريق واحدة؛ وهي:
(يونس بن يزيد، عن ابن شهاب الزهري)، عَنْ أَبِي سلمة بن عبد الرحمان وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة... الحديث.
نعم؛ إنه: (يونس بن يزيد، عن ابن شهاب الزهري)... وما أدراك ما (يونس بن يزيد، عن ابن شهاب الزهري)...
إن يونس بن يزيد بن أبى النجاد، وفقاً للمؤسسة التقليدية في الدراسات الحديثية ذاتها: ثقة، إلا فيما يروي عن الزهري، فإن له في روايته عنه أوهاماً!!
وهذه الرواية (خاصة) يرويها هذا الرجل الذي يهم في (الزهري) خاصة عن الزهري خاصة، ولا يجد من يتابعه عليها! حتى نخرجها من جملة أوهامه!
وكان أحمد بن حنبل ممن ينكر رواية يونس عن الزهري:
"قال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: في حديث يونس بن يزيد منكرات عن الزهري، منها عن سالم، عن أبيه، عن النبي (ص)، فيما سقت السماء العشر...
وقال أبو الحسن الميموني، سئل أحمد بن حنبل: من أثبت في الزهري؟ قال: معمر. قيل له: فيونس؟ قال: روى أحاديث منكرة"([21]).
إن أحمد بن حنبل – رحمه الله - لا يتفق على صحة اتفاق البخاري ومسلم على حديث يرويه يونس عن الزهري، وبالرغم من ذلك يخرجه في مسنده([22])، وهذا لا يخالف منهجه في التصنيف.
لكن الطريف في الأمر، أن محقق مسند أحمد، وهو الشيخ شعيب الأرناؤوط، الذي يعتمد الدكتور العمري أحياناً على أحكامه، لا يلتفت لحكم الإمام أحمد نفسه، بتضعيف رواية يونس عن الزهري، ومن بينها هذا النص الذي تحدى به المؤلف هواة التتشكيك.. ومحترفيه – أمثال أحمد بن حنبل وغيره- دون أن يشعر!!
لم يكن لأحمد أن يحابي البخاري ولا مسلماً- رحمهما الله -؛ لأنه لم يعاصر فترة الانحدار العلمي للمؤسسة الدينية إلى هذا القاع، قاع المجاملات والخضوع للأسماء الكبيرة وتقديسها، ولم يكن له ليجامل من هما أبناؤه أحفاده في هذا العلم! فقد كان البخاري من تلامذة أحمد، وكان مسلم من تلامذة البخاري!! وقد أخرجا كتابيهما بعد رحيله.
لكنه – أي الشيخ شعيب- يتجاهل تناقض المعايير.. ويلتفت عن بعض أحكام المؤسسة التقليدية، (العدل الضابط في التعريف الأول)!! ويلجأ إلى معيار (المتفق عليه في التعريف الثاني)!! ثم يقول معقباً على الحديث: إسناده صحيح على شرط الشيخين!! علماً بأن عبارة الصحة على شرطهما لا تعني شيئاً؛ إذ كانا قد أخرجا الحديث بالفعل في كتابيهما!
وبالمناسبة؛ فإن هذا الحديث ذاته ذكره الدارقطني في كتابه (العلل) مبيناً كيف اختلف فيه الرواة – ومن بينهم يونس- عن الزهري([23]).
***

ماذا عن الذي لم يتفقا عليه؟!

الذين زعموا أن الحديث إذا اتفق على إخراجه البخاري ومسلم فهو في أعلى درجات الصحة، لم يخبرونا عن الموقف إذا تعارضت أحكامهما حول الحديث الواحد أو الراوي الواحد!
هل إذا ضعف البخاري راوياً سنقبل حديثه إذا صححه مسلم؟! وماذا لو حدث العكس؟! وهو كثيراً ما يحدث!
 وماذا نفعل إذا اختلفت شروط البخاري ومسلم فحكم أحدهما بصحة نص، وحكم الآخر بضعفه؟!
هل سنعتمد شرط البخاري؟! أم سنعتمد شرط مسلم؟!
أم سنقول: كلاهما صحيح!! فنكون بذلك قد جمعنا بين المتناقضات !!
الأمثلة على ذلك كثيرة جداً، لكن سنكتفي بمثال واحد عن عمر، وقصة إسلامه، وقد استبعده الدكتور العمري من كتابه المطبوع عن عمر! لكن استبعاد هذا النص من متن الكتاب لا يعني الكثير؛ لأنه يعد نموذجاً مناسباً لآلية الاستدلال ولا يقصد به مضمون النص ذاته!
إنه حديث أبي الزبير عن جابر، قال: كان أول إسلام عمر... وقد أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه.
نعم.. البخاري ومسلم لم يرويا هذا النص، لأنه ليس صحيحاً على شرطهما.
بل إن البخاري نفسه يضعف هذه الرواية، لأنها من طريق يحيى بن يعلى الأسلمي، قال عنه البخاري: مضطرب الحديث. وقال يحيى بن معين: ليس بشىء. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث،ليس بالقوى. و قال أبو أحمد بن عدى: كوفى من شيعتهم([24]).
كذلك في إسناد هذه الرواية: عبد الله بن المؤمل؛ وهو متفق على ضعفه([25]).
لا يعنيني ضعف هذا الحديث عن طريق هذا الراوي أو غيره..
بل أريد أن ألفت إلى شيء آخر، له علاقة بطريقة الرواية!
وهي أن (رواية أبي الزبير عن جابر) – عموماً - صحيحة عند مسلم.. وضعيفة عند البخاري!! ومنها روايات كثيرة جداً اعتمدها مسلم في صحيحه، وأعرض عنها البخاري رافضاً لها، متابعاً كبار العلماء في تضعيف روايته، مستبعداً أن يذكره في صحيحه منفرداً: فقد "روى له الجماعة إلا أن البخاري روى له مقرونا بغيره"([26]).
فهل سنقبل روايته لقبول مسلم لها؟!
أم سنرفضها لرفض البخاري لها؟!
وهذا الباب به فوائد كثيرة، و(يحتاج لبحث منفرد).
***

صحة الوقائع التاريخية في عقل الإمام البخاري

أزعمُ أن الإمام البخاري – رحمه الله تعالى- ما قصد لكتابه الصحة المطلقة، أي اليقين التام والدائم من ثبوت الواقعة، وإنما قصد الصحة من الناحية الشكلية، التي تعتمد على قواعده الخاصة، وغرباله الدقيق الذي وضعه لنفسه، حتى يقلل من نسبة الخطأ البشري (قدر الإمكان)، فهو – أحياناً - يذكر من الروايات ما يستحيل جمعها والتوفيق فيما بينها، في مسائل لا تقبل التأويل، مثل عمر النبي (ص) حين توفاه الله، وهو أمر تاريخي لا يقبل القسمة على اثنين، ففي البخاري (3343) أنه r توفي وهو ابن ثلاث وستين. وفي البخاري (3355) بعثه الله على رأس أربعين سنة فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين!!
ولا شك في أن البخاري كان واعيا بذلك منتبها له، فهو يدرك أنه يستحيل أن يكون النبي (ص) قد عاش 63 سنة وعاش 60 سنة في آن واحد، لكن الروايتين وصلتا الإمام البخاري هكذا، من طريقين ليس له عليهما مأخذ، ولم يجد في أحدهما ما يدفعه لطرحها والإبقاء على الأخرى، وذلك وفق قواعده التي وضعها بنفسه لنفسه مسبقا!! 
يحدث هذا أحياناً لدى البخاري، ويحدث لدى مسلم، مما يستحيل أن نلتفت وفقاً لذلك إلى بعض عبارات المؤسسة الدينية التقليدية المترسخة، التي تتجسد كأقسى ما يكون في عبارات أقل ما يقال فيها أنها لا تنتمي للمنهج العلمي، مثل تلك التي يذكرها ابن الصلاح: "قال (الحافظ أبي نصر الوايلي السجزي): أجمع أهل العلم - الفقهاء وغيرهم - على أن رجلا لو حلف بالطلاق: أن جميع ما في (كتاب البخاري) مما روي عن النبي (ص) قد صح عنه ورسول الله (ص) قاله لا شك فيه أنه لا يحنث والمرأة بحالها في حبالته"([27])!
 فالإمام البخاري نفسه وفقاً لمثال روايات وفاة النبي (ص) لا يجرؤ أن يحلف بالطلاق على ذلك، هذا إن جاز هذا النوع من الفقه أصلا!! وهذا الباب فيه فوائد كثيرة، لا يتسع المقام لبسطها! (وتحتاج أيضاً لبحث منفرد)!
***
عندما تتناقض المعايير

دون تحديد معايير؛ يعتمد الدكتور العمري في مسألة اعتبار الخبر صحيحاً على تصحيح الشيخ الألباني لبعض الأخبار فيذكر تخريجاً وحكم الألباني بالصحة أو حتى تضمين الألباني للحديث ضمن مجاميعه الصحيحة([28]) أو الحسن([29])، وربما تجاوز التخريج من المصادر الأصلية واعتمد مباشرة على مؤلفات الألباني (الوسيطة) الجامعة([30])، بل إنه أحيانا يذكر سكوت الألباني عن الحكم على الرواية!!([31]) كما يعتمد تصحيح الشيخ شعيب الأرناؤوط في بعض الأخبار فيذكر تخريجاً ثم يعقبه بحكم الأرناؤوط بالصحة([32])، أو بالتحسين([33]).
يتابع الدكتور أحمد خيري العمري الشيخ الألباني في الحكم بصحة بعض الأخبار فيقول: "فقد صحَّ عنه عليه الصلاة والسلام أنَّه قال: اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب". ثم يخرج هذا الحديث بالعبارة الآتية: "سنن الترمذي (4673) وذكره الألباني في صحيح السيرة النبوية"([34]).
نعم، لقد ذكر المؤلف مصدره وهو تخريج الترمذي، وذكر مرجعه في تصحيح الخبر في صحيح السيرة النبوية للألباني.
لكنه لم يذكر أن الحديث قد ورد أيضاً في (مسند أحمد) ([35]). وقد اعتمد المؤلف في مراجعه غير مرة على مسند أحمد بتحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط.
وقد أسهب الشيخ شعيب في هامشه في ذكر أقوال العلماء في الراوي الذي تدور جميع روايات الحديث عليه وتصب عنده (خارجه بن عبد الله الأنصاري)؛ حيث تتبع روايات هذا الحديث جميعاً وحكم عليها بالضعف واحدة تلو الأخرى([36]). ومن بين تلك الروايات رواية في (صحيح ابن حبان) الذي حققه أيضاً الشيخ شعيب منذ فترة، واستدرك على الحاكم تصحيحه وموافقة الذهبي له. لكن الطريف أنه حكم عليه هذه المرة بأنه (حسن)!!
حديث واحد.. مداره على راوٍ واحد.. مرة يكون (صحيحاً) ومرة يكون (ضعيفاً) ومرة يكون حسناً)!!
ترى..
هل هذا الخبر حقيقي أم غير حقيقي؟!
هل حدث أن (دعا) النبي (ص) بذلك (صحيح)؟!
أم لم (يدعو).. (ضعيف) ؟!
وما معنى أن الخبر (حسن) ([37]) ؟!
هل مثلاً: دعا النبي (ص) نصف هذه الدعوة؟!
أم أنه دعا بصوت منخفض؟!
ما علاقة هذه الأحكام النظرية (جداً) بالحقيقة التاريخية التي حدثت فعلاً أو لم تحدث أصلاً؟!
هل قال النبي (ص) ذلك أم لم يقل؟!
هل نأمن إذا ذكرنا هذا النص غائلة نص صحيح آخر:
 [لا تكذبوا علي فإنه من يكذب علي يلج النار] ([38]).
ترى ما المعيار الذي اتخذه المؤلف للترجيح بين تلك الأحكام المتضاربة؛ ليُحْتَجّ بالحديث؟!
***
لقد أخذ المؤلف يدور حول معنى هذا النص، ويتحدث عن صفات عمر وصفات أبي جهل، التي طمعت النبي (ص) في إسلام أحدهما.
هل يمكن أن نحترم مثل هذه الرواية؟! ثم نحللها ونستخرج منها علاماتنا على طريق النهضة؟! ونؤول إعجاب النبي (ص) بأبي جهل الذي صار ألد أعداء الدعوة؟!
إن بعداً عقلياً آخر وتشككا نحن أولى به،يجعلني أرفض هذا الخبر..
فهل ضاق الإسلام جداً في تلك الفترة المبكرة برجلين قويين، حتى يدعو النبي(ص) لأحدهما ويدعو (ضمنا) على الآخر؟!
هل تبقى في الإسلام مقعد واحد فقط، يتم الانتخاب عليه؟!
أليس بعداً عكسياً لهذا الخبر؛ أن النبي (ص) بدعوته هذه، وهو ذو الدعاء المستجاب، يقرر أن أحد الرجلين في النار؟!
هل النبي (ص) الذي هو رحمة للعالمين ضاقت دعوته وضاقت رحمته عن أن تحيط برجلين؟!
أم أنه كان حريصاً على عملية توازن القوى في الشرق الأوسط؟!
عفواً.. لا ينبغي أن نستطرد في التحليلات حول الحدث (الوهم)!!
فلنعد مرة أخرى أدراجنا؛ نبحث عن خبر صحيح، ننسبه للنبي (ص)، ونعرف منه صفات عمر!
***

(الحسن) ليس حسنا

إن الاحتفاء بأحكام الشيخ الألباني وشعيب الأرناؤوط عليه العديد من الملاحظات.. لكننا نتحدث هنا عن المنهج! بل عن الإطار الخارجي للمنهج الذي استخدمه الدكتور العمري!!
وقد استدل المؤلف بأخبار غير صحيحة، ضعفها المجتهدون المحدثون، الذين اعتمد على أحكامهم، فتغاضى عن تضعيفهم لها كما سبق. كما أنه ربما اعتبر الحكم بالحسن حكماً بالصحة، فتابع الألباني في أحاديث وجدها في السلسلة الصحيحة للألباني حكم بأنها (حسنة) ولم يحكم بصحتها، مثل حديث: "لَوْ كَانَ نَبِيٌّ بَعْدِي لَكَانَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ"([42]).
وهناك مثال تطبيقي عن: (الحديث الحسن) الذي اعتبره المؤلف صحيحاً، فلفظة (حسن) توحي بالإيجابية، لكنها ليست كذلك!!
المؤلف يستدل بحديث يقول: "إن عمر كان أول من جهر بالإسلام"([43]).
ويرجع ذلك إلى أن الألباني ذكره في صحيح السيرة!!
لكن الألباني لم يقل عنه: "صحيح". بل قال: رواه الطبراني وإسناده حسن.. لماذا؟!
الإجابة الموضوعية: لأنه ضعيف!! فالحسن درجة من درجات الضعف.
وهكذا قال ابن الصلاح في بعض تعريفات (الحديث الحسن) المتناقضة المعنى المتضاربة النتائج التي لا يتيسر للعاقل الخروج منها بمعنى مستقيم؛ حين قال: "وقال بعض المتأخرين: الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل"([44])!! كما قال الذهبي: " الحَسَنُ لا ينفك عن ضَعْفٍ مَّا، ولو انفَكَّ عن ذلك لصَحَّ باتفاق"([45]).
أما الحديث المشار إليه؛ فقد روي من طريق واحدة؛ مدارها على: يحيى بن بكير عن عبد الله بن لهيعة... وكلاهما ضعيف!!
لكن لنبق قليلاً مع ابن لهيعة.. وكيف يراه الألباني؟! وكيف يرى حديثه إذا انفرد بالرواية؟!
يقول الشيخ الألباني تعليقاً على حديث رواه ابن ماجه؛ نصه: "أن النبي (ص) مر بسعد وهو يتوضأ فقال: "ما هذا السرف"؟ فقال: أفي الوضوء إسراف قال: " نعم وإن كنت على نهر جار".
 وهذا إسناد ضعيف؛ ابن لهيعة سيئ الحفظ ([46]).
ويتحدث عن حديث: "لا حبس ( أي وقف ) بعد سورة النساء". فيقول: لم يسنده غير ابن لهيعة عن أخيه وهما ضعيفان... الحديث ضعيف كما علمت فلا يجوز الاحتجاج به ([47]).
وقال في موضع آخر عن حديث آخر:
قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات غير ابن لهيعة؛ فإنه ضعيف لسوء حفظه.
كما ينتقد وصف الإمام الطبراني لهذا الحديث بالحسن؛ قائلاً عن الطبراني: فهذا من تساهله، أو ذهوله؛ فابن لهيعة ضعيف؛ كما صرح هو به – أي الطبراني- في غير موضع من كتابه([48])!!  وهكذا.. كان حال الألباني مع رواية ابن لهيعة.
لكن الألباني هنا يحكم على حديث تفرد به ابن لهيعة بأنه: حسن. ويلقي به في صحيح السيرة! فيحتج به الدكتور العمري ظانا فيه الصحة!! مما يدل على أن المؤلف لم يرجع لإسناد الحديث بنفسه، وإنما لجأ لحكم الألباني يستمد منه السند والمدد! ومن سوء حظه أن الألباني خالف منهجه هنا وحسن ما حقه التضعيف؛ وفق منهجه هو لا منهجنا نحن!
***أسانيد الرواية التاريخية ومعاييرها

يذهب المؤلف في منهجية البحث إلى قوله: "الحوادث التاريخية، خاصة لمرحلة ما بعد وفاة الرسول، لم يكن من الممكن تطبيق نفس المعايير عليها.. فأسانيد الروايات التاريخية مختلفة ومعايير قبولها ليست واضحة من ناحية الصحة والضعف حتى الآن. وأرى شخصياً أنها يجب أن تدقق ولكن بمعايير مختلفة عن سند الحديث النبوي".
والعبارة الأخيرة: ". وأرى شخصياً أنها يجب أن تدقق ولكن بمعايير مختلفة عن سند الحديث النبوي". كانت تحتاج من الدكتور العمري تفصيلاً، حتى نستطيع سبر أغوار رؤيته، وأسبابها، ومقترحاته بشأنه، خاصة أنه اعتمد في طول الكتاب وعرضه على المعايير المتداولة والموروثة في الاستدلال بالرواية التاريخية. ولم نلحظ معايير أخرى.
كما أن المعايير الجديدة لتدقيق الرواية التاريخية، كان يجب أن تسبق تأليف الكتاب الذي يعتمد على الرواية التاريخية، وإلا فكيف خرج هذا الكتاب؟! ووفق أي معايير تم تدقيق رواياته؟!
كذلك فإن هناك بعض الروايات التي تدل على أن الروايات التاريخية التي قد نعتمد عليها في تأريخنا لعمر ابن الخطاب وعصره، تتسق مع الروايات الحديثية في الإسناد، وليست رواياتها مختلفة، بل يمكن الحكم عليها، مما يدعونا إلى عدم تجاهل الحكم عليها وفق المعايير الحديثية المنضبطة، التي تقضي بعدالة الرواة وضبطهم وعدم اكتشاف خطأ قادح في رواياتهم.
مثل تلك التي ذكرها الدكتور العمري عن أبي جهل، في الصفحة ذاتها([49])، وسنعتبرها رواية تاريخية مجازاً لعدم ورود ذكر النبي (ص) فيها: اللهم أينا كان أفجر لك، وأقطع للرحم، فأحنه اليوم (أي أهلكه). وقد ذكر المؤلف تخريجاً في حاشيته لعبد الرزاق، ولم يذكر تخريج أبي بكر بن أبي شيبة (37836)، وهي رواية منقطعة من كلام الزهري (محمد بن عبد الله بن مسلم) المتوفى سنة 125 هـ، نقلاً عن أبي جهل!
إن الرواية التاريخية هنا، تتفق مع الرواية الحديثية، وتتفق المعايير الحديثية على ضعفها!
مثلها تماماً رواية: "إني لأكره نفسي على الجماع رجاء أن يخرج الله مني نسمة تسبح الله"([50]).
فهي عبارة يدور رحاها على راويين: أحدهما (كذاب) هو (محمد بن طلحة بن مصرف)، والثاني (مجهول) هو (الهجنع بن قيس)!
أما محمد بن طلحة، فيقول عنه ابن سعد: "كانت له أحاديث منكرة، قال عفان: كان محمد بن طلحة يروى عن أبيه وأبوه قديم الموت، وكان الناس كأنهم يكذبونه، ولكن من يجترئ أن يقول له أنت تكذب; كان من فضله وكان"([51])!!
نعم.. لقد تركوه يكذب على النبي (ص) وصحابته الكرام؛ لأنه كان صاحب أفضال عليهم!!
كذلك وجدنا في إسناد هذا الحديث (الهجنع بن قيس)، وهو مجهول. قال عنه الدارقطني: لا شيء([52])!!
فهل إذا اعتمدنا على (لا شيء)؛ سنخرج بـ (شيء)؟!
***

مصادر عمر تكره عمر!
(عمر والتشيع.. لا يجتمعان)

وكما أن كثيرين يعشقون عمر؛ فإن كثيرين – أيضاً - يكرهونه.
أولياء الله يعشقونه لأن نبيهم وسيدهم وكبيرهم r كان يحبه!
وأولياء الشيطان يكرهون رجلاً ما سلك وادياً إلا وسلك (سيدهم وكبيرهم) فجاً غيره!
وهذا يكفي!
أخشى أن اعتماد العنصر العاطفي، قد يذهب بنا بعيداً عن الحقيقة التاريخية، فـ (الأخبار) المسيئة لعمر ولغيره من الصحابة يتم الترويج لها وفقاً للعاطفة أيضاً؛ مثلما يحدث على الجبهة الشيعية صاحبة الثأر المفتعل منه، أو مثلما يحدث على الجبهة العلمانية التي تريد أن تنقض رموز الأمة وتهدم أركانها، وتمحو أصولها! وهذا واقع وعليه عشرات الأمثلة، طالما لا يوجد معيار للصحة والضعف!! لقد صار عمر ورفيقه في أدبيات الروافض (صنمي قريش)، بل هناك أخبار أسوأ من ذلك في حقهما – رضي الله عنهما-!! والفضل كل الفضل في ذلك للأخبار التي رواها مؤرخونا العظام، وفي المصادر ذاتها التي ننهل منها مناقبهما رضي الله عنهما!!
كذلك وجدنا على الجانب الكاره لعمر من يزعم أنه أحرق مكتبة الإسكندرية، ورفضنا ذلك الخبر بكل أريحية، ثم بحثنا عن برهان لهذا الرفض: " بأن كون هذه الروايات لم تنتشر حقيقة إلا في عشرينات القرن العشرين بين أقباط مصر، وأن أول ذكر لها في كتب التاريخ كان بعد ستة قرون من الحادثة المزعومة! ([53])".
وهذا المعيار النقدي منطقي جداً؛ لرفض هذه الرواية التي يروجها بعض نصارى مصر..
لكن – للأسف- لدينا حكايات متشابهة؛ لو طبقنا عليها هذا المعيار لسقطت..
لذا نرجو مراجعة الأخبار التي دونت بعد عمر بمئات السنين، مثل روايات العقد الفريد، ونهاية الأرب، وأخبار النساء؛ فهي أيضاً بعيدة زمناً وموضوعاً!!
)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ...(.
نعم.. لا يوجد سبيل لفض هذا الاشتباك؛ سوى بـ (المعايير الواضحة)! بل إن عدم وجود معايير ثابتة وواضحة وحاسمة – مثل المعيار الزمني الذي يضمن اتصال الرواة بالحدث- قد تلقي بنا بعيداً عن الحق!
وقد كتبتُ ذات مرة عما فعله المؤرخون والدارسون في ابن عباس - رضي الله عنه -؛ فتناقله الروافض، ثم التنويريون؛ بالطعن والغمز واللمز! في الوقت الذي نحن فيه مشغولون باستنقاذ الأخبار المبهجة عن سيرة ابن عباس من المصادر ذاتها، وبـ (اللامنهجية) عينها([54])!
وربما يثار تساؤل منطقي، وهو كيف لمن يكره عمر أن يكتب ويروي عن مناقب عمر؟!
وهذا سؤال يرد عليه بأن الشيعة مثلاً يعتمدون على الروايات المدونة في كتب السنة، وبعضها مسيء إلى النبي وصحابته الكرام، ثم يعلنون التحدي، وفقاً لنفس المنطق؛ وهو: أن ذلك مدون في كتب السنة. ويصنع مناظرته (الوهمية) التي تجعل شيخ الأزهر يتقبل المذهب الشيعي ورواياته بقبول حسن!!
وكان تسرب المعتقد الشيعي في نفوس الرواة مدخلاً قوياً لإفساد الرواية، وقد رأينا عبد الحسين الموسوي يفتخر في كتابه (المراجعات) بمائة من رواة الحديث الشيعة في كتب السنة، ليدلل على صحة مذهبة وصدق الرواة الشيعة، هؤلاء الأبرياء الأطهار واعتماد السنة على رواياتهم!
وبقراءة لبعض مصادر سيرة عمر التي اعتمد عليها الدكتور العمري؛ يمكن أن نقف سريعاً أمام شخصيات مؤلفيها، وموقفها السلبي من عمر؛ نظراً لتشيعها عموماً أو موقفها الخاص من عمر:
1-          المستدرك للحاكم
2-         المصنف لعبد الرزاق
أولاً: الحاكم([55]) وكتابه المستدرك:
لأن الكلام في هذا الموضوع ذو شجون؛ فسوف نتحدث بإيجاز عن الجريمة التي ارتكبها أبو عبد الله الحاكم في حق العلم والبحث العلمي بتأليفه هذا الكتاب، فقد سن الحاكم سنة سيئة، وروج لها، وهي الزعم بالوقوف على شروط البخاري ومسلم في صحيحيهما، ثم الزعم بأنه استدرك عليهما ما لم يخرجاه على شرطهما، وقد وقع في هذا الكتاب في كل الموبقات العلمية التي تستحق أن تكون من الطرائف المضحكة، فهو يزعم مرة عن حديث موضوع أنه على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه، ومرة يزعم أنهما لم يخرجا حديثاً؛ وقد أخرجاه بالفعل، ويزعم بصحة حديث على شرطهما أو شرط أحدهما وقد ضعفاه بعينه أو بعض رواته... وهكذا، (مما يستحق بحثاً مفردا).
ولقد تحولت شروط البخاري ومسلم والاستدراك عليهما سنة سار عليها المتأخرون، بل صار الكِتابُ وأحكامه قبلة الكسالى من الباحثين المتخصصين في الحديث وعلومه. أما موافقات الذهبي (المزعومة) لتصحيحات الحاكم فلها شأن آخر!! (تحتاج بحثاً منفرداً أيضاً).
لا يعنينا – الآن- سوء المنهج الذي اتبعه الحاكم، ولا ضعف حفظه الشديد، ولا أوهامه الكثيرة؛ بل يعنينا ما يتعلق بعمر، أو بعبارة أكثر تحديداً: (ما يتعلق بتشيعه)؛ والتشيع بصفة عامة مما يرتبط جداً بالعاطفة السلبية تجاه (عمر)، ولا يعني أن يروي الحاكم في مستدركه شيئاً من مناقب عمر أنه يؤمن به، بل هو مجرد التأليف والتصنيف، فقد كان "يؤلف الغث والسمين"([56])... إنها تهمة رمى بها بعض العلماء أبو عبد الله الحاكم؛ كانت في أشد صورها أنه: رافضي خبيث... وكانت في أقل صورها: فيه قليل من التشيع!
ومن أهون ما قيل في مسألة تشيعه قول الذهبي: "[كان أبو عبد الله بن البيعٍ] الحاكم ثقة، أول سماعه سنة ثلاثين وثلاث مئة، وكان يميل إلى التشيع، فحدثني إبراهيم بن محمد الأرموي بنيسابور، وكان صالحا عالما، قال: جمع أبو عبد الله الحاكم أحاديث، وزعم أنها صحاح على شرط البخاري ومسلم، منها حديث الطير، وحديث: "من كنت مولاه فعلي مولاه"؛ فأنكر عليه أصحاب الحديث ذلك، ولم يلتفتوا إلى قوله"([57]).
وفي سير أعلام النبلاء أيضاً: "وقال أيضاً: أنبأني أحمد بن سلامة، عن محمد بن إسماعيل الطرسوسي، عن ابن طاهر: أنه سأل أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي، عن أبي عبد الله الحاكم، فقال: ثقة في الحديث، رافضي خبيث. قلتُ - والكلام هنا للذهبي -: كلا ليس رافضيا، بلى يتشيع([58]).
ولكن الذهبي يروي عن ابن طاهر ما هو أشد من ذلك؛ حين قال: "قال ابن طاهر: كان شديد التعصب للشيعة في الباطن، وكان يُظهر التسنن في التقديم والخلافة، وكان منحرفا غاليا عن معاوية رضي الله عنه وعن أهل بيته، يتظاهر بذلك، ولا يعتذر منه"([59]).
إن هذه الاتهامات في شخصه وفي منهجه إذا أضيفت إلى دفاع الذهبي المستميت عنه لن تقدم لنا إلا فائدة جليلة جداً وهي أن هذا الرجل ومؤلفه (المستدرك) لا يستحقان إلا (الترك) والتحذير منه؛ وانظر إلى أفضل دفاع عن الحاكم في قول الذهبي، وهو ينفي عنه تهمة (الضعف)؛ ستراه يقول: "والحاكم أجل قدراً وأعظم خطراً وأكبر ذكراً من أن يذكر في الضعفاء لكن قيل في الاعتذار عنه أنه عند تصنيفه للمستدرك كان في أواخر عمره، وذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره، ويدل على ذلك أنه ذكر جماعة في كتاب الضعفاء له وقطع بترك الرواية عنهم ومنع من الاحتجاج بهم ثم أخرج أحاديث بعضهم في مستدركه وصححها من ذلك أنه أخرج حديثا لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وكان قد ذكره في الضعفاء، فقال أنه روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه، وقال في آخر الكتاب: فهؤلاء الذين ذكرتهم في هذا الكتاب ثبت عندي صدقهم لأنني لا استحل الجرح إلا مبينا، ولا أجيزه تقليدا، والذي اختار لطالب العلم أن لا يكتب حديث هؤلاء أصلا"([60])!!
وإن كان ابن الجوزي يتحدث في العلل المتناهية عما فعله الحاكم بحديث الطير، وهو حديث موضوع، يحكي أنه: " كان عند النبي (ص) طير، فقال اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير فجاء علي فأكل معه".
فيحكي ابن الجوزي عن محمد بن طاهر المقدسي قوله: "كل طرقه باطلة معلولة، وصنف الحاكم أبو عبدالله في طرقه جزءاً ضخماً، وكان قد أدخله في المستدرك على الصحيحين فبلغ الدارقطني؛ فقال: يستدرك عليهما حديث الطائر؟! فبلغ الحاكم؛ فأخرجه من الكتاب([61]). وكان يتهم بالتعصب بالرافضة، وكان يقول: هو حديث صحيح ولم يخرج في الصحيح. وقال ابن طاهر حديث الطائر موضوع، إنما يجيء من سقاط أهل الكوفة عن المشاهير والمجاهل عن أنس وغيره، قال ولا يخلو أمر الحاكم من أمرين؛ إما الجهل بالصحيح فلا يعتمد على قوله، وإما العلم به ويقول به؛ فيكون معانداً كذاباً دساساً"([62]).
هكذا كان الحاكم!!
متهم بالرفض، ويصحح الموضوعات التي تخدم مذهبه؛ خُفِّف الحُكْمُ إلى مجرد التشيع!!
متهم بالضعف؛ خفف الحكم إلى أنه حصل له تغير وغفلة حين ألفَ المستدرك!!
متهم بأنه معاند كذاب دساس؛ خفف الحكم إلى جهله بالصحيح فلا يعتمد على قوله!!
الباحثون المادحون له، والمنافحون عنه؛ يأخذون عليه أوهامه وسقطاته وتخاليطه، ويرصدونها!!
أي كما قال أبو تمام:
مساوٍ لو قسمن على الغواني        لما أُمهرن إلا بالطلاقِ
فهل من هذا المنبع؛ يمكن أن نستقي أخبار عمر، لننطلق منها نحو النهضة؟!
هكذا فعل الدكتور أحمد خيري العمري؛ فاستسلم لأخبار الحاكم ومستدركه، وأخذ يحللها وينطلق منها، ويسبح في رحابها، في الصفحات الآتية وما حولها: (29، 30، 31، 32، 43، 64، 158، 183، 340، 372، 396، 439).
***
ثانياً: عبد الرزاق وكتابه المصنف:
أشهر ما اتهم به عبد الرزاق بن همام الصنعاني صاحب المصنف؛ أنه كان شيعياً متطرفاً في تشيعه، نقل ذلك غير واحد من العلماء السابقين. وجريمته في حق عمر شخصياً مباشرة، حين ورد في ترجمة عبد الرزاق في كتاب (الضعفاء الكبير) الرواية الآتية؛ قَالَ العُقَيْلِيُّ: "سَمِعْتُ عَلِيَّ بنَ عَبْدِ اللهِ بنِ المُبَارَكِ الصَّنْعَانِيَّ يَقُوْلُ: كَانَ زَيْدُ بنُ المُبَارَكِ قَدْ لَزِمَ عَبْدَ الرَّزَّاقِ، فَأَكْثَرَ عَنْهُ، ثُمَّ خَرَقَ كُتُبَهُ، وَلَزِمَ مُحَمَّدَ بنَ ثَوْرٍ، فَقِيْلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، فَحَدَّثَنَا بِحَدِيْثِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بنِ أَوْسِ بنِ الحَدَثَانِ...، الحَدِيْثَ الطَّوِيْلَ، فَلَمَّا قَرَأَ قَوْلَ عُمَرَ لِعَلِيٍّ وَالعَبَّاسِ: فَجِئْتَ أَنْتَ تَطْلُبَ مِيْرَاثَكَ مِنِ ابْنِ أَخِيْكَ، وَجَاءَ هَذَا يَطلُبُ مِيْرَاثَ امْرَأَتِهِ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: انْظُرُوا إِلَى الأَنْوَكِ، يَقُوْلُ: تَطلُبُ أَنْتَ مِيْرَاثَكَ مِنِ ابْنِ أَخِيْكَ، وَيَطلُبُ هَذَا مِيْرَاثَ زَوْجَتِهِ مِنْ أَبِيْهَا، لاَ يَقُوْلُ: رَسُوْلُ اللهِ r. قَالَ زَيْدُ بنُ المُبَارَكِ: فَلَمْ أَعُدْ إِلَيْهِ، وَلاَ أَرْوِي عَنْهُ"([63]).
هكذا وصف عبدُ الرزاق عمرَ بن الخطاب: الأنوك!! أي: الأحمق!
لكن ما يلفت الانتباه ليس تشيع عبد الرزاق، فتشيعه يكفي لأن يرى عمر أنوكاً أو صنماً من أصنام قريش، أو متآمراً على قتل النبي، أو جائراً على حقوق آل البيت، حارقاً ذلك البيت، أو كاسراً ليد فاطمة رافساً لبطنها حتى يسقط جنينها (محسناً)، أو متطاولاً على النبي في موته!! فهذه أدبيات التشيع فيما يتعلق بـ (عمر) خاصة!
أقول: نعم؛ ليس هذا ما يلفت الانتباه، بل ما يلفت الانتباه، هو موقف (الإمام الذهبي) من هذه المقولة، والذهبي أحد رموز المؤسسة الدينية التقليدية في الجانب الحديثي؛ فيقول الذهبي معقباً على ذلك: "هَذِهِ عَظِيْمَةٌ، وَمَا فَهِمَ قَوْلَ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عُمَرَ، فَإِنَّكَ يَا هَذَا لَوْ سَكَتَّ، لَكَانَ أَوْلَى بِكَ، فَإِنَّ عُمَرَ إِنَّمَا كَانَ فِي مَقَامِ تَبْيِيْنِ العُمُوْمَةِ وَالبُنُوَّةِ، وَإِلاَّ فَعُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَعْلَمُ بِحَقِّ المُصْطَفَى، وَبِتَوقِيْرِهِ، وَتَعْظِيْمِهِ مِنْ كُلِّ مُتَحَذْلِقٍ مُتَنَطِّعٍ، بَلِ الصَّوَابُ أَنْ نَقُوْلَ عَنْكَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الأَنْوَكِ الفَاعِلِ - عَفَا اللهُ عَنْهُ - كَيْفَ يَقُوْلُ عَنْ عُمَرَ هَذَا، وَلاَ يَقُوْلُ: قَالَ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ الفَارُوْقُ؟ وَبِكُلِّ حَالٍ، فَنَسْتَغْفِرُ اللهَ لَنَا وَلِعَبْدِ الرَّزَّاقِ، فَإِنَّهُ مَأْمُوْنٌ عَلَى حَدِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ r صَادِقٌ"([64]).
يا سلااااااااااام؟!
يقول الذهبي بعد كل هذا الكلام: وبِكُلِّ حَالٍ، فَنَسْتَغْفِرُ اللهَ لَنَا وَلِعَبْدِ الرَّزَّاقِ، فَإِنَّهُ مَأْمُوْنٌ عَلَى حَدِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ r صَادِقٌ".!!!!!!!!!!!!!!
إنه يسير على ذات المنهج الذي تعبر عنه رواية منسوبة ليحيى بن معين- وأشك فيها لأسباب- بعد أن شاع خبر تشيعه وترك أحمد ويحيى للرواية عنه؛ تقول: "لو ارتد عبد الرزاق ما تركناه"([65])!!!
لماذا؟!
هل عبد الرزاق ماركة مسجلة؟!
وهل روايته عليها ضمان من توكيل شركات الحديث النبوي اليابانية "ضد الكفر والردة"؟!
نعم.. إن الذهبي يتجاهل تشيعه هذه المرة.. ويتغافل عن أثر الهوى الذي يمكن أن يتسلل إلى روايته جراء هذا التشيع!! لكنه ينافح عن اتهامه بالكذب مرة أخرى!!
"قال العباس العنبري لما قدم من صنعاء: لقد تجشمت إلى عبد الرزاق، وإنه لكذاب، والواقدي أصدق منه"([66]).
ومعنى أن الواقدي أصدق منه: أن عبد الرزاق تعيس جداً في الرواية، لدرجة أن الواقدي ذلك الراوية المتروك الكذاب المشهور بوضع الحديث، أفضل منه... وبالمناسبة (والكلام يجر بعضه بعضاً)؛ فإن الواقدي مرجع معتبر في المغازي والتاريخ لدى المؤسسة الدينية التقليدية!!
هنا يهب الذهبي للدفاع عن عبد الرزاق ذلك الصرح الذي لا يتخيل الذهبي الحياة بدونه، فآلاف النصوص ستضيع هباء إذا وافق العباس العنبري على ذلك.
فيعقب الذهبي على العنبري: هذا شيء ما -وافق العباسَ عليه مسلمٌ([67])!!
إن هذه القضية مسألة علمية؛ فما معنى وجوب اتفاق إنسانٍ مسلمٍ عليها مع العنبري؟! وهل قدم الذهبي إحصاءً بذلك؟!
وقد ارتأت الأمانة العلمية لابن حجر أن يستنكر هذا الكلام من الذهبي – وإن كان يوافق الذهبي في توثيق عبد الرزاق!-؛ ليؤكد أن هناك من اتفق مع العنبري على ذلك، فيقول:
"وهذا إقدام على الإنكار بغير تثبت، فقد ذكر الإسماعيلي في "المدخل"، عن الفرهياني أنه قال: حدثنا عباس العنبري، عن زيد بن المبارك، قال: كان عبد الرزاق كذابا يسرق الحديث، وعن زيد قال: لم يخرج أحد من هؤلاء الكبار من ها هنا إلا وهو مجمع أن لا يحدث عنه"([68]).
***

استطراد (بين الذهبي وعبد الرزاق)

أرى أننا نحتاج أن نتوقف قليلاً عند الإمام الذهبي بوصفه أحد رموز المؤسسة الدينية التقليدية التي يعتمد عليها الباحثون الآن، ومن بينهم الدكتور العمري حين يلجأ إلى تصحيحه لبعض أحاديث المستدرك!
لقد ألف الإمام الذهبي (سنة الولادة 673هـ/ سنة الوفاة 748هـ) كتاباً فريداً في نوعه، كارثة في مضمونه، يدل على استهتار المؤسسة الدينية التقليدية بالنص النبوي باعتباره نصاً مقدساً، هذا الكتاب حاول فيه الذهبي استنقاذ الرواة الضعفاء والمتروكين من وطأة (الحركة العلمية) لدى علماء الحديث المتقدمين، وموقفهم الصارم المحكم من روايات المتهمين! وطرحها بعيداً حتى لا يتأثر النص المقدس بروايات هؤلاء! وما ينتسبون إليه من كذب أو بدع أو سوء حفظ وعدم ضبط... وغير ذلك!!
متتبعاً في كل راوٍ، من هؤلاء الضعفاء، مقولة في توثيقه، ليخرجه من ساحة الضعفاء إلى خانة الثقات. متغافلاً عن أن تضعيف العلماء للراوي لا يدل إلا على علم أعلى وأسبق، وفحص ودرس لحالته وطريقته في أداء الرواية. فالأصل في الناس الصلاح إلا إذا ثبت للعالم المدقق غير ذلك!
هذه الطريقة في التعامل مع الرواة وأخبارهم، هي التي أسهمت في مآسينا الفقهية والأصولية والتفسيرية، وهي التي أوجدت خانة لا معنى لها تسمى (الحديث الحسن)! وهي ساحة مهمة جداً لدى المؤسسة التقليدية لأنها لو تخلت عنها، ستتخلى عن آلاف من النصوص التي تقتات عليها في مساجلاتها وأحكامها واستعراض عضلاتها وتقنين مذاهبها.
هذا الكتاب هو (ذكر أسماء من تكلم فيه وهو موثوق)، يقول الذهبي في مقدمته: " فهذا فصل نافع في معرفة ثقات الرواة الذين تكلم فيهم بعض الأئمة بما لا يرد أخبارهم وفيهم بعض اللين، وغيرهم أتقن منهم وأحفظ، فهؤلاء حديثهم إن لم يكن في أعلى مراتب الصحيح فلا ينزل عن رتبة الحسن اللهم إلا أن يكون للرجل منهم أحاديث تستنكر عليه وهي التي تكلم فيه من أجلها فينبغي التوقف في هذه للأحاديث"([69]).
وهكذا، بجرة قلم، يمحو الذهبي جهود الأئمة القدامى، ويلزمهم حتى يضعف أحاديث هؤلاء الضعفاء، أن يذكروا كل حديث أخطأ فيه الراوي بعينه!! فلا يكتفي بأن يذكر أن الراوي قد ضبط متلبساً برواية منكرة أو روايتين أو خمسة. بل عليه مثلاً أن يذكر جميع أخطاء الراوي كل مرة يذكر فيها!! وهذا كلام لم يحدث، ويستحيل إحصاؤه، بل إنه يكاد يقترب من الجنون!!
مثال ذلك: عبد الرزاق متهم بالكذب، ولديه أحاديث منكرة مشهورة، يعرفها الذهبي جداً.
إذن، سيطرح الذهبي تلك الروايات المنكرة التي ضبط بها (متلبساً) عبد الرزاق الكذاب، سيء الحفظ، المتشيع.
وعلينا أن نقبل باقي رواياته قياساً على: )وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ(!
ترى ماذا يقول الذهبي في كتابه هذا ليدافع عن عبد الرزاق:
"أحد الأعلام، احتجوا به، وله غرائب ومناكير، واحتمل ذلك له، ولا عبرة بقول ابن عباس العنبري إنه لكذاب، وقد قال النسائي: فيه نظر لمن كتب عنه بآخره وقال أبو أحمد بن عدي، وهو منصف، حدث بأحاديث في الفضائل لم يوافق عليها. وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال الدارقطني: ثقة يخطئ على معمر في أحاديث ليست في الكتاب"([70]).
هذا ما ذكره الذهبي؛ ليؤكد لنا أن عبد الرزاق ثقة !!
***
وبالعودة إلى عبد الرزاق.. ليست روايته التي يشتم فيها (الفاروق عمر بن الخطاب) هي الرواية الوحيدة التي تتحدث عن تشيع عبد الرزاق السافر؛ فهناك روايات أخرى تؤكد ذلك.
- عن يحيى بن معين: سمعت من عبد الرزاق كلاما يوما فاستدللت به على ما ذكر عنه من المذهب، فقلت له: إن أُسْتَاذِيكَ الذين أخذت عنهم ثقات، كلهم أصحاب سنة: معمر، ومالك بن أنس، و ابن جريج، وسفيان الثوري، والأوزاعي، فعمن أخذت هذا المذهب؟ فقال: قدم علينا جعفر بن سليمان الضبعى، فرأيته فاضلا حسن الهدى، فأخذت هذا عنه([71]).
- وقال محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس الرازي: سألت محمد بن أبى بكر المقدمي عن حديث لجعفر بن سليمان، فقلت: روى عنه عبد الرزاق؟ فقال: فقدت عبد الرزاق ما أفسد جعفرا غيره ـ يعنى: في التشيع([72])
- وقال أبو بكر بن أبى خيثمة: سمعت يحيى بن معين وقيل له: إن أحمد بن حنبل قال: إن عبيد الله بن موسى يرد حديثه للتشيع، فقال: كان والله الذى لا إله إلا هو عبد الرزاق أغلى في ذلك منه مئة ضعف، ولقد سمعت من عبد الرزاق أضعاف أضعاف ما سمعت من عبيد الله([73]).
- وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبى، قلت: عبد الرزاق كان يتشيع ويفرط في التشيع؟ فقال: أما أنا فلم أسمع منه في هذا شيئا، ولكن كان رجلا تعجبه أخبار الناس، أو الأخبار([74]).
***
وقد اعتمد الدكتور أحمد خيري العمري على مصنف عبد الرزاق مصدراً للأخبار في كتابه في الصفحات الآتية وما حولها: 22، 58، 276، 293، 294، 295، 300، 305، 306، 307، 309، 317، 318، 319، 320، 323، 340، 344، 353، 356، 357، 358، 367، 374، 375، 377، 385، 395، 398، 400، 401، 408، 413، 420، 429.
***

ملاحظات أخيرة

وبعد؛ فإن هذه القراءة الأولية لم تستقصِ جميع النصوص الواردة في الكتاب، وإنما ألقت الضوء على بعض النماذج لفتح الباب لمناقشة منهجية مأمولة في اعتماد الرواية الحديثية أو التاريخية بشكل عام.
ولا تزال العديد من الملاحظات التي يمكن إجمالها في نقاط وجيزة، حتى لا تتضخم حجم هذه الورقة أكثر من ذلك، منها على سبيل المثال:
-                       ضرورة استقصاء جميع روايات الخبر وتخريجها، وعدم الاكتفاء بمصدر واحدٍ، فربما جاء الخبر صحيحاً من جهة، وأشير في الحاشية إلى رواية ضعيفة. أو العكس! وذلك حتى يسهل للباحث مراجعتها.
-                       ضرورة ترتيب المصادر ترتيباً تاريخياً، ثم التعامل بعد ذلك مع المراجع الوسيطة ذات الفائدة، مثل السلسلة الصحيحة وغيرها.
-                       بعض المصادر تحتاج في تخريجها لتفصيل أكثر، حتى لا يختلط الأمر، فالمؤلف – مثلاً- يرجع إلى الموطأ برواية (يحيى بن يحيى الليثي) وبرواية (محمد الحسن الشيباني) وفي بعض الأحيان لا يذكر ما نوع رواية الموطأ المعتمدة.. ذلك أن روايات أخرى غير هاتين الروايتين للموطأ أصبحت مطبوعة ومتداولة مثل رواية أبو مصعب الزهري. (كما أن رواية محمد بن الحسن الشيباني لا يصح الاعتماد عليها لضعف هذا الراوي جداً، ونكارة ما يروي مقارنة بروايات الموطأ الأخرى).
-                        المراجع الأدبية، مثل العقد الفريد ونهاية الأرب وأخبار النساء، لا يمكن اعتبارها مراجع تاريخية، فقد كانت عناصر التسلية والمتعة وصناعة الحبكة الدرامية على الأخبار من أهم سماتها. وهي مراجع تنتمي لفنون الإبداع أكثر من انتمائها لفن التاريخ وما يرتبط به من رواية ودراية.
***
وختاماً؛ فإن هذه الورقة تمثل قراءة سريعة موجزة، تسعى إلى لفت الانتباه إلى قناعات علمية تتعلق بمسألة (الرواية) عموماً. ولولا إيماننا بما يقدمه الدكتور أحمد خيري العمري من جهد مخلص؛ لما التفتنا إلى تقديم هذه الملاحظات له ولقرائه، دعماً له، وتقديراً لنواياه!
***
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا..
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..




([1]) 1-3 النبأ.
([2]) أعني هنا رواية: بُسْرِبْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، يَقُول: كُنَا فِي مَجْلِسٍ عِنْدَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَأَتَى أَبُومُوسَى الأشْعَرِيًّ مُغْضَبًا حَتَّى وَقَفَ. فَقال: أَنْشُدُكُمُ الله، هَلْ سَمِعَ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَسُولَ الله (ص) يَقُولُ: الاسْتِئْذَان ثَلاَثٌ. فَإِنْ أُذِنَ لَكَ. وَإِلا فَارْجِعْ. قال أُبَيٌّ: وَمَاذَاكَ ؟ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَمْسِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ. ثُمَّ جِئْتُهُ الْيَوْمَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ. فَأَخْبرْتُهُ؛ أَنِّي جِئْتُ أَمْسِ فَسَلَّمْتُ ثَلاَثًا. ثُمَّ انْصَرَفْتُ. قال: قَدْ سَمِعْنَاكَ وَنَحْنُ حِينَئِذٍ عَلَى شُغْلٍ، فَلَوْ مَا اسْتَأذَنْتَ حَتَّى يُؤْذَنَ لَكَ ؟ قال: اسْتَأْذَنْتُ، كَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ الله (ص). قال: فَوَالله لأوجِعَنَّ ظَهْرَكَ وَبَطْنَكَ. أَوْلَتَأْتِيَنَّ بِمَنْ يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا. فَقال أُبَيُّ بْنُ كَعبٍ: فَوَالله لاَيَقُومُ مَعَكَ إِلاَّ أَحدَّثنا سِنًّا. قُمْ يَا أبَا سَعِيدٍ، فَقُمْتُ حَتَّى أَتَيْتُ عُمَرَ. فَقُلْتُ: قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ الله (ص) يَقُولُ هَذَا.
[أخرجها: الحميدي (734)، وأحمد 3/6، والبخاري 8/67، ومسلم 6/177، و6/178]
([3]) أعني هنا رواية: عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ, وَذُكِرَ لَهَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَىِّ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لأَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ. أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ. وَلَكِنَّهُ نَسِىَ أَوْ أَخْطَأَ. "إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا. فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا, وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِى قَبْرِهَا".
[أخرجها: مالك "الموطأ" صفحة (161)، و"الحُمَيدي (221)، و"أحمد" 6/39، 6/107، 6/255. و"البُخَارِي" 2/101. و"مسلم" 3/44، و"التِّرمِذي" 1006 و"النَّسائي" 4/17].
([4]) أعني هنا رواية: عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: كُنَّا نُخَابِرُ وَلاَ نَرَى بِذَلِكَ بَأْساً حَتَّى سَمِعْنَا رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ (ص) عَنْهُ. فَتَرَكْنَاهُ لِقَوْلِهِ.
[أخرجها الحُمَيْدِي (405). و"أحمد" 1/234(2087). 2/11 (4586) و3/463(15896) و4/142(17412). 3/465 (15918). و"مسلم" 5/21(3935) و(3936). و"أبو داود" 3389. و"ابن ماجة" 2450. و"النَّسائي" 7/48،وفي "الكبرى" 4631، 4632 4633.
([5]) أخرجه أخرجه أحمد 1/165(1413)، و1/166(1428)، و1/38(107). و"أبو داود" 3651. و"ابن ماجة" 36. و"النَّسائي"، في "الكبرى" 5882.
([6]أخرجه: أحمد 3/98(11964)، و"البُخَارِي" 1/38 (108)، و"مسلم" 1/7(4)، و"النَّسائي"،في "الكبرى" 5882.
- وفي رواية: مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا،فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ.
([7]الضعفاء الكبير للعقيلي 1/38.
([8]السابق 1/10.
([9])170 البقرة.
([10]) 119 التوبة.
([11]) 7-8 الأحزاب.
([12]) 6 الحجرات.
([13]) 94 النساء.
([14]) استرداد عمر، ص17- 18.
([15]نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار، ص 15.
([16]) مقدمة ابن الصلاح، ص9.
([17]) السابق، ص9.
([18]) استرداد عمر، ص22.
([19]) مشكاة المصابيح، للتبريزي، تحقيق الألباني: رقم 4029.
([20]) فتح الباري، ابن حجر، 7/295.
([21]) تهذيب الكمال: 32/7188.
([22]) انظر مسند أحمد، طبعة الرسالة، تحقيق شعيب: رقم 8328.
([23]) انظر: العلل الواردة في الأحاديث النبوية، الدارقطني، 8/69-70.
([24]) انظر: السابق: 32/50.
([25]) انظر: السابق: 32/50.
([26]) انظر: السابق: 16/187.
([27]) مقدمة ابن الصلاح، ص10.
([28]) انظر (استرداد عمر من السيرة إلى المسيرة): ص 24، 26، 41، 43، 63، 98، 106، 135، 183، 184، 243، 314، 355، 347، 374، 395، 405.
([29]) انظر السابق: ص 134، 251.
([30]) انظر السابق: ص 135، 170، 220، 260، 348، 372، 405.
([31]) انظر السابق: ص 308.
([32]) انظر السابق: ص 75، 94، 108.
([33]) انظر السابق: ص 230.
([34]) انظر السابق: ص 18.
([35]) انظر مسند أحمد، طبعة الرسالة، بتحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرين، حديث رقم 5696.
([36]) تعليق شعيب على الحديث: خارجة بن عبد اللّه الأنصاري، ضعفه أحمد والدارقطني والذهبي، وقال ابن مَعِين وابنُ عدي: لا بأس به، وقال أبو داود وأبو حاتم: شيخ، زاد أبو حاتم: حديثه صالح، وقال أبو الفتح الأزدي: اختلفوا فيه، ولا بأس به، وحديثه مقبول، كثير المنكر، وهو إلى الصدق أقرب، وقال الحافظ في "التقريب": صدوق له أوهام، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين، أبو عامر: هو عبد الملك بن عمرو العقدي، ونافع: هو مولى ابن عمر.
وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" 3/267، وعبد بن حميد في "المنتخب" (759)، والترمذي (3681)، والبيهقي في "الدلائل"2/215 -216 من طريق أبي عامر، بهذا الإسناد.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر.
وأخرجه ابن حبان (6881) من طريق زيد بن الحباب، عن خارجة بن عبد الله، وأخرجه الحاكم 3/83 من طريق شبابة بن سوار، عن المبارك بن فضالة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعاً بلفظ: "اللهم أيَد الدين بعمر بن الخطاب".
ثم رواه من طريق سعيد بن سليمان، عن المبارك بن فضالة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن ابن عباس، بلفظ: "اللهم أعِزَ الِإسلام بعمر"، وقال: هذا حديث صحيح الِإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي!
قلنا: المبارك بن فضالة البصري يدلس ويسوي، وقد عنعن.
وفي الباب عن عمر من حديث مطول عند البزار (2493)، والبيهقي في " الدلائل " 2/216، وفي إسناده إسحاق بن إبراهيم الحنيني، وهو ضعيف.
وعن أنس من حديث مطول عند ابن سعد في "الطبقات"3/267، والبيهقي في " الدلائل " 2/219، وفي إسناده القاسم بن عثمان البصري. قال البخاري: له أحاديث لا يتابع عليها، وقال الذهبي في "الميزان " 3/375: حدث عنه إسحاق الأزرق بمتنٍ محفوظ، وبقصة إسلام عمر، وهي منكرة جدّاً.
وعن عبد الله بن مسعود عند الطبراني في "الكبير" (10314)، والحاكم 3/83، وفي إسناده مجالد بن سعيد، وهو ضعيف وعن ابن عباس عند الترمذي (3683) وفيه النضر بن عبد الرحمن أبو عمر، وهو متروك.
وعن عثمان بن الأرقم عند الحاكم 3/502، وفي إسناده الواقدي، وهو متروك.
وعن سعيد بن المسيب مرسلاً عند ابن سعد 3/267، وعن الزهري عند ابن سعد 3/269.
وقد ورد بذكر عمر خاصة: من حديث عائشة عند الحاكم 3/83، ومن طريقه البيهقي في "السنن" 6/370 بلفظ: "اللهم أعِز الإِسلام بعمر بن الخطاب خاصة" وإسناده صحيح. وهو عند ابن ماجه (105)، وابن حبان (6882) بإسناد ضعيف.
ومن حديث عبد الله بن مسعود، وسلف برقم (4362)، ولفظه: "اللهم أيد الإسلام بعمر".
وعن الحسن مرسلاً عند ابن سعد 3/267، ولفظه: "اللهم أعِز الإسلام بعمر بن الخطاب".
قال السندي: "بأحب هذين" أي: بتوفيقه للإسلام..
([37]) أزمة مصطلح (الحديث الحسن)، أزمة أنتجتها عقول القرون المتأخرة، التي حاولت أن تحتفظ بكم كبير من النصوص الفاسدة التي لا تسمن ولا تغني من جوع في المجال العلمي. وهو أمر يحتاج لتفصيل في بحث مستقل.
([38]) أخرجه: أحمد والبخاري ومسلم من حديث ربعي بن حراش عن علي بن أبي طالب عن النبي r.
([39]) استرداد عمر، ص 280.
([40]) مسند أحمد، طبعة الرسالة، بتحقيق شعيب الأرناؤوط: ح 15156.
([41]) إرواء الغليل، حديث رقم 1589.
([42]) استرداد عمر، ص 98، والسلسلة الصحيحة 2909، وقد روى الترمذي هذا الحديث، وقال عقبه: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ مِشْرَحِ بْنِ هَاعَانَ.
([43]) استرداد عمر، ص 24، وقد سقط تخريجه من حاشية الكتاب، في خطأ مطبعي واضح.
([44]) مقدمة ابن الصلاح: ص 19.
([45]) الموقظة في علم مصطلح الحديث: ص 29.
([46]) إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (1/171).
([47]سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (1/442).
([48]السابق (6/356).
([49]) استرداد عمر: ص20.
([50]) السابق: ص21.
([51]) الطبقات الكبرى لابن سعد: 2/376.
([52]) لسان الميزان للذهبي: 6/191.
([53]) استرداد عمر، ص 299 (الحاشية).
([54]) انظر مقالنا: (مصادرنا العربية بين الرواية والدراية). مجلة قوافل السعودية، العدد 30.
 وفيه على سبيل المثال: كيف أعجب طه حسين، وتابعه تلامذته أمثال علي الوردي وغيره، بالأخبار التي تجعل من عبد الله بن عباس رضي الله عنه، خائناً لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، عابثاً في إمارته بالعراق، محتالاً على أموال المسلمين، منحرفاً في إنفاقها!!
([55]) أبو عبد الله الحاكم: محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم.
([56]) سير أعلام النبلاء (17/166).
([57]) السابق (17/168).
([58]) السابق (17/174).
([59]) السابق (17/174-175).
([60]) لسان الميزان (7/256-257).
([61]) للأسف لم يخرجه الحاكم من الكتاب، وإنما أخرجه في مستدركه برقم (4650)، وقال بعد: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه. وقد رواه عن أنس جماعة من أصحابه زيادة على ثلاثين نفسا ثم صحت الرواية عن علي وأبي سعيد الخدري وسفينة وفي حديث ثابت البناني عن أنس زيادة ألفاظ.
قلت: يمكن أن يكون الكتاب المطبوع بين أيدينا ليس هو النسخة التي اعتمدها الحاكم نفسه (ذو المواصفات والمهارات سالفة الذكر)، ولكنها نسخة ثانية، لأنه إذا ثبت عنه أنه حذف الحديث من كتابه ثم وجدناه اليوم في المطبوعة؛ فإنه أمر يدعونا للشك في المطبوعة، لأن ثمة عبث تسرب إليها، أو أن المطبوعة نسخت من مخطوطة تسبق عمليات التصويب والتقويم والنقد الذاتي التي قام بها الحاكم بنفسه لنفسه. وفي هذه الحالة ستضاف طبقة جديدة من الظلمات التي (بعضها فوق بعض) لهذا المرجع الفذ!!
([62]) العلل المتناهية في الأحاديث الواهية: 1/228-229.
([63]) الضعفاء الكبير للعقيلي، 3/110.
([64]) سير أعلام النبلاء: 9/572.
([65]) الضعفاء الكبير للعقيلي: 3/110.
([66]) تهذيب التهذيب: 6/281
([67]) السابق: 6/281.
([68]) السابق: 6/281.
([69]) ذكر أسماء من تكلم فيه وهو موثق، ص27.
([70]) السابق، ص121.
([71]) تهذيب الكمال: 19/59.
([72]) السابق: 6/48.
([73]) تاريخ ابن أبي خيثمة: 3/333.
([74]) العلل ومعرفة الرجال لأحمد بن حنبل: 2/59.

هناك تعليق واحد:

  1. للاسف يضيق قليلا بالنقد و هو ليس بمعصوم ربما تتسلل إلى نفسه شهوات الشهرة ، لأن الناس تنفخ السحر المرموقين.

    ردحذف